فخر الدين الرازي
398
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة يَأْتِ بحذف الياء والباقون بإثبات الياء . قال صاحب « الكشاف » : وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : فاعل يأتي هو اللَّه تعالى كقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ / إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 210 ] وقوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [ الأنعام : 158 ] ويعضده قراءة من قرأ وما يؤخره بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل ، لأن قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ حكاه اللَّه تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود ، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أما هاهنا فهو صريح كلام اللَّه تعالى وإسناد فعل الإتيان إليه مشكل . فإن قالوا : فما قولك في قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ . قلنا : هناك تأويلات ، وأيضا فهو صريح ، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال : المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم ، فحذف اللَّه تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف . المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : العامل في انتصاب الظرف هو قوله : لا تَكَلَّمُ أو إضمار اذكر . أما قوله : لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ففيه حذف ، والتقدير : لا تكلم نفس فيه إلا بإذن اللَّه تعالى . فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [ النحل : 111 ] ومنها أنهم يكذبون ويحلفون باللَّه عليه وهو قولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ومنها قوله تعالى : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [ الصافات : 24 ] ومنها قوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 35 ] . والجواب من وجهين : الأول : أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة . الثاني : أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف ، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم . أما قوله : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : الضمير في قوله : فَمِنْهُمْ لأهل الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله : لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله : مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [ هود : 103 ] .